تتداول الإدارات، ولا تغيير على الطبيعة العدوانية للنظام الأمريكي..

د.موسى العزب لـ د.موسى العزب
9 دقيقة وقت القراءة

يؤكد نعوم تشومسكي، أحد أكثر الدارسين في السياسات الأمريكية غزارة، بأن فائض القوة العسكرية ما يزال هو المظهر الأساسي المحدد لمستقبل القوة في العالم.

حتى بعض أصدقاء الولايات المتحدة، الأقل “تطلبا”، يدينون بمرارة التدخلات الأمريكية العسكرية العنيفة في أكثر من مكان في العالم، ويأخذون عليها عدم اهتمامها بما تسببه من معاناة بشرية ومادية هائلة.

وفي قراءة لمقاله الأخير في الإيكونمست، تحت عنوان “قسوة الإمبريالية الأمريكية”، يؤكد نعوم تشومسكي، “بأن هذا المنحى قد طبع عقيدة غالبية القيادات الأمريكية”، وقد عبر جورج بوش الابن عن ذلك عندما قال بأن من ليس صديقي هو عدوي، ووجب القضاء عليه.

في العام 2001، ورغم استسلام الطالبان، واستعدادها لوضع السلاح، وصولا للتعاون مع الأمريكان لاعتقال بن لادن- رغم أنه لم يكن أكثر من مشتبه به في ذلك الوقت- إلا أن الإدارة الأمريكية أصرت على عرض عضلاتها، وقامت بعدوانها المدمر الذي انتهى بهزيمة صريحة، وقد فعلت الشيء نفسه في العراق رغم ثبوت خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وانسحبت من الاتفاق النووي مع إيران، وتدخلت بقوة في سورية، والأمر نفسه تكرر ويتكرر الآن في أكثر من بقعة في العالم، كما رأينا في الأسابيع الأخيرة عندما قامت بإرسال أسطول إلى بحر الصين الجنوبي.. ويستمر التاريخ الإمبريالي الأمريكي بإعادة نفسه على شكل مآسي متواصلة دون تغيير يذكر.

 اليقين الوحيد في حالة القوة الأمريكية، هو أن العالم يتجه نحو الكارثة في كل مره تنزل فيها القوة الأمريكية إلى الميدان. قد تختلف سياسات “الديمقراطيين” قليلا عندما يتعلق الأمر بموضوع البيئة، ولكن يبقى الكثير من المشتركات عند إدارة الحزبين من مفهوم القوة، مع ميل “جمهوري” زائد إلى تبني سياسة الإنكار الدائم.

وعند تحديد مسار القوة الأميركية، والمبررات التي يتم عرضها للدفاع عن أفعال أميركا.

نجد أولا الاختلال الكبير في توازن القوة العسكرية لصالح العسكرة الأمريكية.

فقد زادت أميركا إنفاقها العسكري في العام 2020 إلى 778 مليار دولار، مقارنة بزيادة الإنفاق العسكري الصيني إلى 252 مليار دولار، وفقًا لبيانات “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام”. وفي المرتبة الرابعة، بعد الهند، جاءت روسيا بإنفاق 62 مليار دولار. بينما تعتبر الولايات المتحدة، الأقل تعرضا لتهديدات أمنية موثوقة، وتحاصر حدود “أعدائها” بالصواريخ النووية من خلال قواعدها العسكرية البالغ عددها 800 قاعدة حول العالم.

إحدى النتائج الفاضحة لجنون القوة هذه؛ هو المساهمة في تدمير البيئة وتخريب المناخ، في عالم يفتقر بشدة إلى الموارد اللازمة لتأمين الضروريات الرئيسية الملحة لاستمرار الحياة.

ومن جانب آخر فإن للقوة الأميركية أيضا أبعادها الاقتصادية. بعد الحرب العالمية الثانية، كانت أميركا تحصل على حصة تبلغ بالتقريب 40 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي نسبة تراجعت قليلا. ولكن، يقدر خبراء في عالم معولم، بأن الحسابات القومية المجردة ليست المقياس الوحيد للقوة الاقتصادية. وأن حصة الشركات الأميركية متعددة الجنسيات من الأرباح تزيد عن 50 % في العديد من قطاعات الأعمال، وتحتل المرتبة الأولى عالميا في معظم القطاعات.

إضافة للقوة الغاشمة، هناك ما يسمى ب“القوة الناعمة”. ورغم تراجع “مكانة” أميركا بشكل ملموس إثناء إدارة الرئيس دونالد ترامب بسبب الضربات التي وجهها هذا الأخير لسمعة بلاده، فقد بدأت بوادر هذا الوضع في عهد الرئيس بيل كلينتون، حيث طفت إلى السطح صورة أميركا “الدولة المارقة الرئيسية” في العالم، و”أكبر تهديد خارجي منفرد للمجتمعات”. حتى في حقبة أوباما، وجدت استطلاعات الرأي الدولية أن أميركا كانت تعتبر أكبر تهديد للسلم العالمي.

وهكذا نرى بأن أوروبا لا تتطبق العقوبات الأمريكية على إيران، إلا بسبب الخوف من طردها من النظام المالي العالمي الذي يُدار من نيويورك. وحتى الآن، يقبل العالم بتعذيب أميركا لكوبا ورفضها رفع الحصار الاقتصادي عنها، بينما يدين في الواقع هذا الحصار بالإجماع. وما تزال السياسة الأمريكية تفرض بالقوة العقوبات التي يتوجب على الآخرين الامتثال لها.

نادراً ما عاشت أميركا عاماً واحداً من دون اللجوء إلى العنف تقريباً، منذ التخلص من النير البريطاني حيث ركز المستعمِرون المحرَّرون على فرض “حدودهم الوطنية”، فاستحوذت أميركا على نصف المكسيك في واحدة من “أكثر الحروب شراً” في التاريخ. وتم استكمال رسم الحدود الطبيعية للبلد بالسطو على هاواي بالقوة والخديعة.

ثم امتدت القوة الأميركية إلى آسيا مع غزو الفلبين أولاً في مذبحة كبرى. وسجلت السنوات اللاحقة تدخلات مستمرة، غالبًا بوحشية بالغة، وحذرت من الاقتراب من أميركا اللاتينية “حصتها الخاصة”. 

وضربت أمريكا عرض الحائط مبادئ ما يسمى بـ”النظام الدولي القائم على القواعد” التي كانت هي قد أسسته، والذي دافعت عنه بقوة ضد “الأنظمة الراديكالية والقومية” التي تشكل العدو الرئيسي له، وقد شكل الهجوم الوحشي على فيتنام نقطة انعطاف أخرى، ثم بررت لنفسها استبدال الأنظمة البرلمانية في إيران وغواتيمالا، بدكتاتوريات وحشية. كما أمر كينيدي بشن حربه الإرهابية ضد كوبا لتبلغ ذروتها في التصدي الكوبي للغزو الأميركي في العام 1962، وما تبعها من أزمة الصواريخ التي وضعت العالم على حافة كارثة نهائية.

وكانت نقطة التحول الرئيسية في العام 1962 عندما احتكرت الإدارة الأمريكية، أمريكا اللاتينية وحولتها إلى ملف أمني أمريكي، لتنطلق حروب رونالد ريغان القاتلة في جميع أنحاء أميركا الوسطى، مع دعم الأنظمة الأكثر ديكتاتورية وعنفا، والتي ما يزال يتردد صداها في تشيلي وفنزويلا وغيرها من البلدان المقموعة.

 وهكذا تم تبرير دعم نظام سوموزا الوحشي. كما بررت دعم “إسرائيل”، بحجة تأثير ذلك على مصالح الولايات المتحدة بشكل لصيق!

 منذ حقبة “اقتلاع الهنود” -وهي الجريمة الكاملة التي بالكاد تبدو معترف بها في سجلات العنف الإمبريالي- لم يجرِ أي تغيير جوهري في المؤسسات أو في عقيدة الطبقة السياسية، ولا في المسار والوضع الحالي للقوة العالمية، الأمر الذي يعطي مؤشرات ملموسة على ما قد يتوقعه المرء بشأن مستقبل الغطرسة الأميركية.

 تغير العالم كثيراً. ونجح ترامب وحزبه الجمهوري “ببراعة” في استخراج سموم المجتمع الأميركي، ليتحول إلى وصفة تدميرية للعالم ولبلاده. وإذا استمر هذا المسار، فإنه سيكون مدمرا للجميع، بالنظر إلى القوة الأميركية الغاشمة.

الآن، ينصب اهتمام الحزبين على التهديد الذي تشكله الصين. ولكن في الواقع، فإن لهستيريا “الخطر الأصفر” تاريخ طويل ويتم استحضاره بسهولة الآن، حيث يعتقد أكثر من ثلث الأميركيين أن “فيروس كورونا صنعته الحكومة الصينية كسلاح بيولوجي”، ضمن حربها الباردة ضد بلادهم.

إلى جانب التهديد الصيني الموعود، تبرز الوثائق الداخلية الأمريكية السرية، “بعبع” العدو السوفياتي، الذي تحول إلى روسي، وضرورة مواجهة التهديدات المتعددة من خلال تمهيد الجبهة الداخلية لذلك.

بعض المراقبون الذين لا يشككون بحقيقة القمع الداخلي في الصين، ولا بقوة الصين المتنامية وإزعاجها للمصالح الأمريكية، لا يعتقدون بأن ذلك يمثل تهديدًا دوليًا أكثر من العديد من الفظائع الأخرى، بما في ذلك بعض الفظائع التي يمكن لأميركا أن تضع حدا لها بسهولة بدلاً من تسهيلها: ويذكرون هنا كمثال، التعذيب والاعتداء الوحشي “الإسرائيلي” الذي يخضع له مليوني إنسان في سجن غزة الإسرائيلي بدعم أمريكي قوي.

وبدلا من أن تصادق أمريكا على (اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار)، فإنها ترد على انتهاكات الصين المزعومة، باستعراضات خطيرة للقوة، وتأجيج التوتر في بحر الصين الجنوبي، وينطبق هذا الأمر على معظم الصراعات الأخرى.

الأزمات التي تهدد العالم مرشحة لمزيد من التعقيد والاستدامة، بينما تدفع الصين بمكانتها إلى مزيداً من الحضور على المسرح العالمي، وإجبار الولايات المتحدة “للتعاون”، فيما يعتمد مستقبل الولايات المتحدة والعالم، على التعاون الأميركي الصيني نحو مجتمع عالمي يتسم بزوال القطبية والاستفراد.

 يعتمد الأمر الآن على الكيفية التي يمكن أن يتغير بها العالم.. على شعوب العالم أن تقول كلمتها في هذا المجال، وعلى أوروبا أن تتخلص من إرث حقبتها الاستعمارية بشكل نهائي، وتحدد فيما إن كانت ستترجم زعمها كقوة حاملة للحضارة، بإتخاذ خطوات تجاه الأزمة السياسية والقيمية الخطيرة التي تورط العالم بها منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وأدت لاستسلام أوروبا “للصفقة الفاشية الجديدة” التي مهد لها روزفلت كطريق إلى “الديمقراطية الاجتماعية”؟

ثمة علاجات مجدية ومعروفة لكل أزمة من الأزمات التي يواجهها العالم.

 كما يمكن لجمهور منظم ومعبأ أن يواجه مراكز القوة الخاصة والحكومية التي تقود السباق إلى الهاوية سعياً وراء تحقيق مصالح قصيرة الأجل، ويمكن أن يجبر صانعي السياسات على تطبيق الحلول. وهذا بالتحديد الدرس الأساسي من دروس التاريخ.

اليوم، ومع تزايد الاحتباس الحراري، وعدم تحقيق تصفية حقبة الاستعمار، واستمرار خطر الحرب النووية، لا يمكن السماح بأن يكون هناك أي تأخير.

شارك المقال
  • الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب
  • * مواليد عمان/ في 2 أيار 1951.
  • * حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978.
  • * عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982.
  • * حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986.
  • * عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم.
  • * عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني.
  • * منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق".
  • * ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.