مسيحيو المشرق.. تحديات ورهانات!!ليسوا سياحة دينية، ولا مجرد كوتات انتخابية!!

د.موسى العزب
6 دقيقة وقت القراءة

نهاية أيار الماضي، اختتمت في مادبا، بجلسة خاصة، أعمال مؤتمر “واقع ومستقبل مسيحيي الشرق”، بتنظيم من المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، وبالتعاون مع مؤسسة كونراد اديناور الألمانية، تم خلاله التأكيد على أهمية دعم السياحة الدينية إلى الأردن بوصفه أرضا مقدسة، وشاهدا تاريخيا على الحضور المسيحي المُشرق في الشرق.

وقبل هذا المؤتمر بإسبوعين، جرى لغط كبير أثر إرتقاء الشهيدة شيرين أبو عاقلة، ومحاولات البعض إنتزاع جريمة إغتيالها من سياقها الوطني التحرري، وجرها إلى عبثية التأويلات الدينية المغرضة، وسط تعمية على طابع الجريمة، وطبيعة المجرم الإستعماري الإجرامي التصفوي، وعما يقترفه في عموم الإقليم من مخططات الإحتلال والفوضي والتفتيت، التي شرعتها الدوائر الغربية والصهيونية في سوريا والعراق خاصة، وقامت بتنفيذه أدواتها في الميدان؛ من أنظمة تابعة وجماعات تكفيرية إرهابية، وأجنداتها الإجرامية المعلنة بتصفية ما تسميه “بالأقليات” بذريعة سعيها لإقامة ما تسميه “دولة الخلافة”.

وقبل ذلك وبعده، عشنا ما مهدت له جماعات دينية تكفيرية ذات فكر إقصائی عبر استهداف متواصل لمسيحيي المشرق وتحريضها عليهم في محاولات ممنهجة لإقصائهم مجتمعياً وثقافيا وسياسيا.

تحتل مصر، أهمية مركزية خاصة في هذا المجال. حيث يشكل الأقباط فيها حوالي 10% من مجموع السكان، وقد تعرض هذا المكون الأساسي من النسيج الاجتماعي -بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر- إلى حالة من الاستهداف في عهد السادات، من خلال إستعانته بجماعات أصولية، لمواجهة القوميين واليساريين، وصولا إلى فترة تسلم محمد مرسي مقاليد الحكم وبسط سيطرة الاخوان على مفاصل الدولة.

لقد شهدت الأعوام 2012 – 2013 وما بعدها عددا كبيرا من الاعتداءات الدامية ضد عدد من الكنائس في القاهرة والإسكندرية والصعيد، كما جرت محاولات محمومة للإيقاع بين المسلمين والمسيحيين على خلفية الكراهية الطائفية.أمل المسيحيون بانفراجة بوصول السيسي إلى السلطة.

إلا أن النظام لم يعمل بكفاءة لتخفيف التوتر بالسرعة الكافية ولم ينقل البلاد إلى حالة من الحريات، ولم ينطلق بشكل صحيح نحو تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية مستحقة.ندرك بأنه لا يمكننا التحدث عن مسيحيي المشرق کوحدة اجتماعية سياسية معزولة، فهم يشكلون مكونا أصيلا من النسيج الاجتماعي لمواطني المنطقة، ولكننا نقارب هذا المصطلح لأغراض بحثية، سيما وأن هذا المكون بالإضافة لكونه يعانی مثل الجميع من مفاسد الأنظمة، والتسلط الاستبدادي، وتبعات المشروع الإمبربالی الصهيوني، إلا أنه يعاني أيضا بشكل أكثر حدة من خطر الفكر الوهابيي والأصولي في كل الإقليم، وسط حالة من عجز وتقاعس الأنظمة في حماية مواطنيها.مسيحيو المشرق العربي هم أصل المسيحية في العالم. وعلى صلة مباشرة مع المسيح والقدس.

IMG 202

لم يكونوا طارئين على المشرق العربي بواسطة حملات المبشرين، وليسوا وليدا للثقافة اللاتينية أو اليونانية، بل هم من حملوا الإنجيل ونشروه في العالم. وبقوا متمسكين بالأرض، وحافظوا على الثقافة السامية ورسالة المسيح، ولهذا يتم استهدافهم.كما أنه لا يمكن الحديث عن المسيحيين كأقلية. فهم عرب في الهوية الجامعة للأمة، وعملوا دوما مع المخلصين في أوطانهم من أجل إستنهاض الثقافة العربية والروح القومية، والاستقلال الوطني، ومشاريع الوحدة، وتعميم الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والحداثة وبناء الديموقراطية.خلال فترة “الربيع العربي”، وانتشار الفوضى، أخذ البعض على المسيحيين ترددهم وعدم التحاقهم بشكل صريح في “حركة الشارع” للوقوف في وجه الأنظمة الموسومة بالفساد واحتكار السلطة، ولكن في الواقع فإن هذه الأنظمة كانت توفر نوعا من الأمن المجتمعي والاستقرار النسبي لمجموع مكونات المجتمع.وللموضوعية، لم يُظهر المسيحيون حبا غامرا بهذه الأنظمة، في وقت لم تكن هناك بدائل مطروحة لأنظمة المنابت العسكرية، غير الفوضى، والتفتيت، والأنظمة الأصولية التكفيرية.قدر إجمالي عدد المسيحيين في الوطن العربي بحوالي عشرين مليون نسمة، من 340 مليون من السكان، في مناخ تتصاعد فيه الأصولية في كل مكان. وقد جاءت الترامبية، وتصاعد العنصرية في الدول الغربية، لتزيد من تعقيد الأمور، وما زلنا نتذكر رعونة بوش وحروبه “الصليبية” أثناء غزوه للعراق.تخطئ الدول الغربية بإعلان نفسها حامية للمسيحيين في لبنان مثلا، هذه المواقف مسيئة بقدر ما هي مرفوضة من المسيحيين ومن غيرهم، حيث يُفضل الحديث عن وجود شراكة ثقافية وليس حماية. ويؤكد مسيحيو المشرق بأنهم ليسوا رعايا لأحد ولا يطالبون بحماية طائفية من أي طرف، بل بممارسة حقوقهم وأنشطتهم وواجباتهم على أرضهم وبين شعوبهم، في إطار من المواطنة الحقة.

التحدي الملح حاليا هو التصدي لمؤامرة تهجير المسيحيين من المنطقة. واستعراض الأرقام يكشف لنا مدى خطورة هذا الاستهداف، وعلى سبيل المثال فقد هاجر وهجّر نصف مليون مسيحي سوري خلال عقد الرماد، وفي العراق الذي قارب فيه عدد المسيحيين قبل الاحتلال الأمريكي مليون وثلاثمائة ألف.

أصبحوا الآن أقل من ربع مليون، ومن لبنان هاجر حوالي 700 ألف مسيحي خلال عقدين. والوضع في فلسطين أكثر قسوة، وهنا يجب فضح النهج التسطيحي الهروبي الذي يطالب بإخراج المسيحيين من المنطقة، سيما وأننا لا نلمس بينهم أثرا لخطاب ثأري أو کراهية، بل نشهد على ارتفاع في منسوب وعيهم ووطنيتهم وقدرة كبيرة على الصمود لإفشال المخطط المغرض .التنوع والثراء الثقافي الحضاري في منطقتنا يعتبر سمة فريدة، وسببا من وراء استهداف كل أجندة وثقافة رجعية واستعمارية، ومن يتعرض للمكون المسيحي، يسعى لشطب الهوية القومية العربية الجامعة لشعوب المنطقة منذ مئات السنين، والانكفاء نحو الهويات الفرعية الطائفية والمذهبية والعرقية وخلق کیانات أقليات هجينة منطوية ومتصارعة.مصير المسيحيين مزروع بمستقبل المنطقة. وقضيتهم هي قضية وطنية وقومية عامة. کما هي قضية مواطنة وتكريسا لمبادئ الحريات والمساواة والعدالة والشراكة، على طريق التصدي للمشروع الإمبريالي الصهيوني، والانطلاق بالمشروع النهضوي الوحدوي العربي.

شارك المقال
متابعة
الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب * مواليد عمان/ في 2 أيار 1951. * حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978. * عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982. * حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986. * عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم. * عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني. * منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق". * ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.