فرنسا إلى أين؟.. أزمة ديمقراطية، أم أزمة حكم؟!

د.موسى العزب لـ د.موسى العزب
3 دقيقة وقت القراءة

لقد تمحورت الأزمة المفتوحة في فرنسا حول موضوع قانون التقاعد المستجد والذي يرفع سن التقاعد عامين إضافيين، إلا أن التوترات التي صاحبت فرض القانون، وتعنت الرئاسة والحكومة الفرنسية في فرضه، يكشف عن أزمة عميقة يعيشها نظام الحكم في فرنسا.

بعد إثني عشر يوما من التحرك الوطني الواسع في الشارع والذي عم كل المساحة الفرنسية، والعدد الكبير من الإغلاقات والاضرابات المتتابعة عن العمل، في أطول صراع اجتماعي ونضال جماهيري في تاريخ فرنسا الحديث.. ملايين من الاشخاص نزلوا إلى الشوارع خلال أسابيع متتابعة على مدى اربعة أشهر، ومقتل تسعة ضحايا نتيجة العنف البوليسي غير مسبوق، وبدء عمليات التنظيم الذاتي في المدن والمعامل. هناك في رأس السلطة من لا يزال يقول بأن كل هذا شيء طبيعي ومن الممكن السيطرة عليه.

نهاية الاسبوع الماضي خرج المجلس الدستوري على الرأي العام، ليفاقم من الازمة وينحاز إلى موقف رئيس الدولة، بمنحه تفويضاً برر له فرض قانون التقاعد الجديد، متنكراً لاحتجاجات ونضالات الملايين من أبناء الشعب، وواضعاً الجميع أمام الحائط المغلق.

قرار ما يسمى ب “مجلس الحكماء”، أصاب النقابات وقوى المجتمع المدني بالاستياء العارم، ولكنه لا يبدو بأنه أحبط تحركهم، بل دفع الشارع باتجاه إيجابي، ونقل حركته إلى مستويات أكثر راديكالية أمام عناد النظام ورفضه تقديم أي مساومات أو مقترحات حلول وسط عادلة ترضي الأطراف المتصارعة وتلتقي في نقطة يتوافق عليها الجميع كما يحصل عادة في الأنظمة الديموقراطية.

يرى مراقبون، بأن فرنسا تنتقل الآن من أزمة اجتماعية إلى أزمة ديموقراطية، ومنها إلى أزمة نظام يقصي الجميع، ويقفل باب الحوار مع المجتمع وقواه، ورئيس جمهورية يجسد استلاب السلطة ويتجاوز السلطة التشريعية، ويقر القانون ويفرضه على الشعب الفرنسي بأكثر الأساليب قسوة متجاوزاً المجلسين التشريعيين، بقرار شبه عرفي، يفرض على الجميع الخضوع والامتثال.

تتخوف النخب السياسية الفرنسية مما يجري في مستوى رأس الهرم التنفيذي، وهناك الآن تساؤلات عميقة حول مالات الدستور في الجمهورية الخامسة، في وجود شخص يمثل مصالح ورؤى الليبراليون الجدد بشكل صارخ، يتجاوز السلطات، ويُغيب حتى مجلس الوزراء، ويزدري قوى المجتمع الحية، ويغلق كل المنافذ السلمية والديمقراطية، في دولة اعتادت أن ترسم تاريخها عبر إرادة تيار مجتمعي عريض، هو الذي يقود، وليس بعض الموظفين في المكاتب الفوقية المرفهة.

يُشبه البعض ماكرون بترامب وبولسينارو، حيث تعيش فرنسا حاليا لحظات سياسية واجتماعية حرجة من تاريخها الحديث، يتعامل معها النظام بالعنف والتوتير والإنكار، بينما تزداد حركة الاحتجاج اتساعا وتنظيما، ويستمر النضال من خلال توحيد كل القوى الحية في الميدان، والتي ترفع شعار الحرية والكرامة، وأن تكون الكلمة الأخيرة للشعب.

من الصعوبة رسم تقديرات دقيقة لمالات الأحداث، ولكن يقول قائد عمالي ميداني: بأن “ماكرون باستبداده وطغيانه، هو المشكلة، وهو يشكل خطرا حقيقيا على الديمقراطية وعلى مستقبل البلاد.. وسنعمل حتى تكون احتفالات العمال في الأول من أيار القادم، لحظة حاسمة في تاريخ فرنسا، ولا بديل عن الانتصار”!!

شارك المقال
  • الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب
  • * مواليد عمان/ في 2 أيار 1951.
  • * حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978.
  • * عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982.
  • * حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986.
  • * عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم.
  • * عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني.
  • * منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق".
  • * ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.