الولايات المتحدة تجدد رخصة القتل في غـ.زة

د.موسى العزب
5 دقيقة وقت القراءة

مؤخرا شهدنا أربعة مستجدات هامة:

  • سحب الكتيبة 13 من لواء جولاني بغرض إعادة ترميمها بعد تعرضها لخسائر كبيرة.
  • الإعلان عن بدء مرحلة ثالثة من الحرب بتسريح عدد كبير من جنود الاحتياط مع الإبقاء على خمسين ألفاً منهم، لسد الفراغات في الوحدات النظامية، كمقدمة لإعادة الانتشار.
  • قرار مجلس الأمن الأخير، والذي عملت الولايات المتحدة على إفراغه بالكامل من أي إشارة لوقف الحرب، مع إبقاء الباب مواربا لإدخال مساعدات إنسانية، مما يدلل على أن أمريكا تجدد رخصة القتل على مستوى القطاع.
  • تعدد وساطات ومبادرات الضغوط على المقاومة لكبح زخمها وفعاليتها في الميدان. إن تم إعادة الانتشار فهذا يعني بدء تجاوب حكومة الحرب الصهيونية مع المستجد الأمريكي الذي يؤكد على استمرار الدعم لقرار الحرب، مع إدخال بعض التعديلات على إيقاعها، وهكذا رغم تهديدات نتنياهو بالتصعيد، فهناك إمكانية بأن تتجاوب “إسرائيل” مع الخطة الأمريكية بالانسحاب من مناطق التكلفة البشرية العالية، وتلك التي تواجه فيها مقاومة وإلتحامات ميدانية شديدة يصعب الدفاع عنها، مع الإبقاء على نقاط ارتكاز ومحاور داخل القطاع، مع تعزيز أمن غلاف غزة، والتخفيف النسبي من القصف الجوي التدميري على المدن والمخيمات بعد أن تم مسح معظمها عن الخريطة، ثم استغلال خدعة إعادة التموضع لإخراج أكبر عدد ممكن من الأسرى.. وكل هذا يعني استمرار الحرب والمعارك البرية على مدى زمني طويل ولكن بوتيرة مختلفة، بانتظار المستجدات وما تسفر عنه جهود الوساطات التي مهما تنوعت لا تخرج من حلقة الهدن المؤقتة.

يقدر المخطط الأمريكي بأن التخفيف من وتيرة القصف الجوي، سيسحب مبرر تسخين جبهات المقاومة من قبل قوى المحور، وبالتالي يخفف من احتمالات توسيع مجال الحرب.. ولكن من الواضح بأن هذا الشكل المتصور، يعني محاولة إنقاذ نتنياهو من صلفه، والاستمرار بالحرب مع تأجيل إعلان الفشل، دون زيادة الكلف “الإسرائيلية” الباهظة، خاصة بعد أن طفى على السطح أصداء سجال داخلي علني يشير إلى فشل القيادة الإسرائيلية السياسية في تحقيق أي من أهدافها المعلنة للحرب، وعجزها عن تقديم أجوبة على الأسئلة الصعبة المطروحة. المخطط الأمريكي المستحدث، يجيء بعيد صدور قرار مجلس الأمن والذي لم يقل شيئا سوى أن الموقف الأمريكي الإجرامي لم يتغير، وأن أطراف فاعلة في المجتمع الدولي بدأت تضيق من استمرار العدوان وجسامة كلفه، وأن الوقت قد حان للانفتاح على “القليل من السياسة”.. يجيء هذا مع قناعة راسخة عند هذه الأطراف، بأن البديل الفلسطيني الرسمي فاسد وغير مؤهل، وعاجز عن التصدي لأية مسؤوليات ومهام في غزة في هذه المرحلة، علاوة على فشله في إدارة الضفة.

وإذا أضفنا إلى الموضوع تصريحات لأطراف صديقة “لإسرائيل” تلفت نظرها إلى ضرورة قراءة المتغيرات بدقة، وتحذر من استحالة انتصار الأخيرة على حماس، وإن إطالة أمد الحرب ستراكم النتائج السلبية الخارجية والداخلية، مع تعمق الأزمة السياسية في الداخل، باقتراب أعداد خسائر الجيش إلى 500 قتيل، وحوالي 2000 جريح حسب الأرقام الرسمية، وتبلور قناعة بأن استمرار الجيش بعملياته القائمة، سيزيد من الخسائر البشرية في صفوفه، وإن أعاد الأسرى، سيعيدهم قتلى وأشلاء. وقد ترافق هذا مع ظهور استطلاع للرأي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، تؤكد نتائجه حصول انقلاب شبه كامل في مؤشرات الرأي، وتصدع الإجماع الصهيوني حول الحرب، مع تسارع تبلور رأي عام داخلي في الكيان، يقول بأن الحرب بصيغتها الحالية لم تعد الخيار الأنسب كما كانت عليه الحال عشية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول. وقد كشف الاستبيان الجديد عن أن 67% من العينة المستطلعة تؤيد وقف إطلاق النار مقابل 22% معارضة، وهنا تتأتى قيمة هذا الاستطلاع بتغليب الرأي الذي بدأ يتقبل الفشل أمام اتضاح فداحة الأخطار الوجودية على مستقبل الكيان.
كل ذلك انعكس على توجهات النخب المؤثرة في الكيان التي بدأت تدرك بأن “كارثة” 7 تشرين أول، قد فتحت أفقاً مفصلياً في فلسطين والمنطقة يوجب الإقرار على الأقل بنصف هزيمة، وبالتالي محاولة العمل على تقليل الخسائر والنزف والفشل، وذلك بالانفتاح نحو خيارات جديدة تنقذ مشروع (الوطن القوميّ في أرض “إسرائيل”) الذي تضعضعت دعائمه في طوفان الأقصى، مع ظهور تخوفات عند “الإسرائيليين” وحلفائهم من أن الاستمرار بهذه الوتيرة لأسابيع أخرى، سيوصل الكيان إلى وضع حرج للغاية يصعب استدراكه.. ويدللون على هواجسهم تلك بأن شعبية حماس تنمو باستمرار بين الفلسطينيين، بينما شعبية نتنياهو، كما صورة “إسرائيل” تتراجع داخليا، وتتلطخ خارجيا.
لقد تبلورت قناعة بأن إطالة أمد الحرب تعمل ضد الكيان على ثلاثة محاور:
** تكريس تفوق الرواية الفلسطينية على الرواية الإسرائيلية عالمياً.
** تصاعد أدوار حلفاء حماس ونجاحهم بإرباك “إسرائيل” وتعطيل قوة الردع الاميركية، خصوصاً من لبنان واليمن والعراق.
** تعمق أزمة “إسرائيل” الداخلية على كافة الصعد، مع تزايد عزلتها الخارجية.

أمام هذه المستجدات، ورداً على الوساطات، أعلنت المقاومة موحدة بأنها لن تقبل بأقل من وقف كامل لإطلاق النار، والانسحاب التام من غزة، وتبادل كل الأسرى مع الكل، ورفع الحصار بالكامل عن القطاع، والبدء بمشاريع وخطط لإعادة إعمار القطاع…

طوفان_الأقصى

متابعات صحفية..

شارك المقال
متابعة
الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب * مواليد عمان/ في 2 أيار 1951. * حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978. * عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982. * حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986. * عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم. * عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني. * منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق". * ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.