الجبهة الوطنية أولوية مُلحَّة.. لماذا؟

د.موسى العزب
6 دقيقة وقت القراءة
jo

ونقصد بذلك قيام تشكيل تحالفي برنامجي وطني شعبي، يمتلك القدرة على الاشتباك مع الحالة الجماهيرية، ومواجهة التحديات الوطنية.. وهنا لا ينبغي الخلط بين بلورة أداة فاعلة تعكس توافق وطني لقوى تمثل أوسع القطاعات المجتمعية والشعبية، وبين تكتلات بينية قائمة، أو شعارات وتفاهمات سياسية وقتية.

 في هذا الظرف الحرج من تاريخ الأردن، والمتمثل بالانغلاق السياسي التام، والتأزيم الاجتماعي الاقتصادي الحاد المتمثل بتعاظم أرقام المديونية، وتفاقم حجم الفقر والبطالة، وتضييق مساحة الحرية، والتجاوز على استقلالية وولاية السلطات، وتشتت القوى السياسية، نحن أحوج ما نكون لبلورة تحالف وطني شعبي عريض، كمهمة نضالية ذات أولوية.. أداة سياسية تتجاوز التنوعات الأيدلوجية، والحسابات الفئوية، والاختلافات السياسية بين الأحزاب المعارضة، تقوم على برنامج سياسي جامع، يستطيع الإجابة على الأسئلة الملحة ويؤسس لقيام الأداة الموحدة التي ترتقي لمستوى التحديات الماثلة أمام القوى السياسية الحية وحواضنها الشعبية.

اليوم تبرز قناعة كبيرة عند الكثيرين بأن هذه اللحظة السياسية تتطلب إنجاح مثل هذه المهمة، وأن إنجاحها ممكن إن توفرت الإرادة والنوايا الصادقة بضرورتها التاريخية، لأن التجربة والممارسة تقولان: بأن عدم القدرة على بناء مثل هذه الأداة يعني المراوحة في المكان نحو المزيد من التشظي والوهن في ساحة العمل الوطني.

صحيح أن هناك على ساحة الفعل السياسي، يوجد عدد من الائتلافات والملتقيات والتجمعات العاملة، ورغم وجود تفاوت في أدائها الفعلي، إلا أنها بالمجمل تحتاج لمراجعة وإعادة تقييم وتصليب، ولكن حقيقة احتدام الصراع السياسي الاجتماعي تستوجب فتح مسار جديد أكثر شمولية واتساعا وتمثيلا -ودون أن يلغي ما هو قائم- ينتقل بنا من العمل الحلقي الموسمي المحدود، إلى رحابة الفعل الوطني.

 إطار أكثر جذرية وتماسكا، يستطيع أن يوحد الفعل الشعبي من جديد، حول فكرة البرنامج المعارض الوطني الفاعل.

سيما ونحن نشهد من حولنا على صعيد العالم، وبشكل ملموس تبلور نموذج عالمي جديد، وصعود للجنوب مع إعادة الاعتبار لمبادئ عدم الانحياز، يرافقه بروز أنشطة متفرقة لحراكات شعبية هادفة، وتكتلات دولية تسعى إلى الانعتاق من تبعية الرأسمالية الدولية، وتتطلع إلى عالم أكثر عدلا وأقل وحشية.

في وقت تنزلق فيه الليبرالية الجديدة على المستوى العالمي إلى مواقع الفاشية واليمين الأصولي العنصري، وتعزيز التكتلات العسكرية، وتأجيج النزاعات الإقليمية.

 بينما نجد أنفسنا محليا أمام حقيقة تبلور خريطة حزبية جديدة تتطلب التعاطي الإيجابي المنهجي معها، في مواجهة حلف طبقي رأسمالي متماسك على رأس السلطة، ما زال يقود البلاد وفق النهج الليبرالي الجديد، والخصخصة، ورقابة صندوق النقد الدولي، بينما نُعد الآن وحسب تقارير دولية، من بين البلدان الأكثر قسوة فيما يتعلق بالتشريعات المتعلقة بالحريات خاصة بعد إقرار قانون الجرائم الالكترونية.

أمام مجموع هذه التحديات، نتساءل: هل من الممكن أن ننجح في مواجهة الاستحقاقات الوطنية والإقليمية القادمة بنفس الأدوات القديمة؟!

وهل تمتلك القوى المنظمة الرؤية الواضحة والقادرة على توحيد الصفوف الشعبية حول برنامج وطني للإنقاذ؟!

بالتأكيد هناك من يتحدث عن ظروف غير مواتية، وعن وجود صعوبات واختلافات بينية حقيقية تُصَّعب من قيام مثل هذه “الجبهة” الواسعة، ولكن لأننا مختلفين، علينا تنظيم اختلافنا عبر الحوار وتنظيم اجتماعات حزبية مشتركة، ولقاءات شعبية موقعيه ومجتمعية. علينا بناء “اتحادنا” لكي نبلور للشعب أداته النضالية الموحدة، ونوضح معا قضايانا المشتركة.

تستحق الشرائح الشعبية منا أن نخاطبها بلغة واضحة صريحة، تفضح بشكل واضح حقيقة الأطماع “الإسرائيلية” بالأردن وفلسطين.. ونكشف لها لماذا تتضاعف المديونية عاما بعد عام، ولماذا يزداد الثراء في الطبقات المستغِلة، وفي نفس الوقت يزداد الفقر وتتضاعف نسب البطالة بين الطبقات المفقرة، وبعد ثلاثة عقود من برامج التصحيح الاقتصادي المفترض أين وصلنا؟!

 لماذا يغيب دور المؤسسات، ولماذا يمتلك موظف حكومي عالٍ، أو فرد متنفذ من الصلاحيات والسطوة، أكثر من نائب منتخب؟!

النضال من أجل أهداف مشتركة لا يعني ذوبان البعض بالآخر، وفي سعينا لإدارة اختلافاتنا، وتحركنا المشترك، قد نجد أنفسنا في مرحلة ما كمتنافسين وهذا طبيعي في حال اختلاف المرجعيات والرؤى، ولكن لا يجب أن نكون خصوم.

بالتأكيد قد تكون درجة الاختلافات كبيرة، ولكن يجب وضعها على الطاولة وتقريب وجهات النظر أو تحييدها بدون عقد أو أوهام، خاصة وأن الحركة الوطنية الأردنية بمجملها تعاني من الحصار الذي يشتد حول عنقها، ومحاولات احتواء أطرافها، وتراجع نفوذها، وتعرضها لانتكاسات متوالية على الصعد السياسية والتشريعية والاجتماعية.

 إذا تعاملنا مع مهمة تشكيل الجبهة الوطنية كفعل نضالي داخلي وخارجي، ستتفتح أمامنا آفاق نضالية ملموسة تمنحنا دوافع مؤكدة للعودة إلى الفعل المؤثر من جديد. وبذلك تكون الجبهة الوطنية هي استراتيجية عامة وشاملة، ومتاحة لجميع من يوافق على برنامجها، ولن تنجح مثل هذه الجبهة، إلا في حالة تجميع كافة أطرافها على مصالح مشتركة، والتي بالضرورة هي المصالح المشتركة للشعب.

 ولهذا عليها حمل برنامج تغيير تقدمي، يتصدى لتغول الطبقات المستغِّلة، ويعمل من أجل التداول الديموقراطي للسلطة، يرفع مشعل الدفاع عن الحريات، وضد سياسات الإفقار والتجويع والإخضاع الفكري والمعنوي.

هي مرحلة حاسمة من تاريخ الأردن تتطلب من الحركة الوطنية الأردنية إثبات وجودها وإرادتها في طرح البديل التقدمي والإنساني في توحيد الشعب حول الفكرة والأداة، ثم العمل معا حول كل القضايا، بما فيها موقفها من الانتخابات وتحقيق الفوز بها في حالة المشاركة، وصولا إلى تبديل المشهد السياسي.

 أما في حالة الاستسلام لما هو قائم، فلا يمكننا توقع الحصول على نتائج مختلفة باستعمال نفس الأساليب والأدوات القديمة..

شارك المقال
متابعة

الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب
- مواليد عمان/ في 2 أيار 1951.
* حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978.
* عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982.
* حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986.
* عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم.
* عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني.
* منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق".
* ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.

اكتشاف المزيد من نداء الوطن

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading