ماذا تخبئ الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية؟!

د.موسى العزب
4 دقيقة وقت القراءة

زلزال سياسي فرنسي ونتائج غير مسبوقة

في الجولة الأولى قبل يومين، وضعت نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية 2024: التجمع الوطني (اليمين العنصري) لأول مرة في المقدمة بنسبة 33.2% من الأصوات، والجبهة الشعبية الجديدة (تحالف اليسار) -الذي يصمد حتى الآن- في المرتبة الثانية 28.1%، والماكرونيون (الأغلبية الرئاسية) يتراجعون إلى 21%، في المرتبة الثالثة

بعد سبع سنوات من وجوده على رأس السلطة، والتقهقر الإجتماعي والسياسي والبيئي الذي خلّفه، والذي تسبب في غضب شعبي عام، يتلقى الرئيس ماكرون صفعة سياسية موجعه ويتراجع موقع الأغلبية الرئاسية إلى المرتبة الثالثة في الجولة الأولى للإنتخابات التشريعية المبكرة، فخسر الرهان، ووقع في الفخ الذي نصبه بنفسه بحلة المتسرع للجمعية العمومية (البرلمان).

بسبب ضعف وإنقسام قوى اليسار، إعتقد ماكرون بأنه بإجرائه هذا، سيدفع البلاد إلى حصر الخيار بين (حزب أغلبيته الرئاسية، والتجمع الوطني العنصري)، سيما وأن هذا التجمع يعلن حرصه على حماية النظام الرأسمالي، لكن التصويت الحاشد، والنتائج أحبطت خطته، وألحقت هزيمة ثقيلة لا تقبل الجدل بالرئيس ومرشحيه وما يسمى بالأغلبية الرئاسية.

نتائج الجولة الأولى التي جرت يوم أمس الأحد، أكدت حتى الآن شيئا واحدا؛ بأن رئاسة الحكومة القادمة لن تكون لمعسكر ماكرون. فقد كان لتشكيل الجبهة الشعبية الجديدة من قوى اليسار الفرنسي، وقبل 3 أسابيع من الجولة الأولى، سببا في إفشال الفخ بترشيحاتها المشتركة منذ الجولة الأولى، وبرنامجها المشترك وإنتخاباتها المشتركة. ومن المهم الـتأكيد هنا بأن إرتفاع نسبة التصويت بشكل كبير، وعودة الناخب إلى صناديق الإقتراع أمكن تحقيقه بفضل التعبئة النشيطة، وإلتزام الشباب، وتحشيد أحياء الطبقة العاملة، بينما يلاحظ في كل ذلك؛ إضمحلال الوسط لمصلحة إستقطابات سياسية أكثر راديكالية، وهي ظاهرة تطغى على نتائج معظم الإنتخابات الأوروبية.

تتجه فرنسا “المنقسمة بشدة” الآن نحو جولة ثانية حاسمة ونسب تصويت استثنائية. وعلى الناخبين الفرنسيين أن يختاروا، بين الأسوأ المتمثل باليمين المتطرف والذي يأجج من الفوارق الاجتماعية، والفوارق في الدين، ولون البشرة، وبلد الأصل، والبنية الاجتماعية، وبين تحالف اليسار،الذي يدعو لتشكيل مجتمعا واحدا على أرضية المصالح العامة المتبادلة، والتكافل المجتمعي.

اليسار يوجه أنصاره وناخبيه الآن وفي ظل هذه الظروف الإستثنائية،إلى ضرورة إعطاء الأغلبية المطلقة للجبهة الشعبية الجديدة لأنها البديل الوحيد الممكن. والتحدي هنا ليس مجرد مسألة التصويت بالضد أو مجرد الرغبة في المنع، بل تقول قيادة اليسار بأن الموضوع يتعلق بمستقبل نظام يُحترم فيه كل إنسان، ويحافظ فيه الجميع على الحياة والطبيعة ككل.

لم تحسم المعركة بعد، وفي الجولة الثانية، كل الإحتمالات واردة، فمرشحو الجبهة الشعبية الجديدة منافسون في معظم الدوائر، وفي أغلب الأحيان ضد مرشحي الجبهة الوطنية. وقد تؤدي معركة مدروسة ومنفتحة ومتزنة إلى تحقيق أغلبية حكومية لليسار في الجولة الثانية، شرط العمل وبناء التحالفات التي لا تسمح لليمين العنصري بالفوز في أي مكان. وفي حالات وجود مرشح اليمين العنصري في المركز الأول في إحدى الدوائر، بينما يكون ترتيب مرشح اليسار في المركز الثالث فقط، فإن اليسار يأصدر تعليمات واضحة بسحب مرشحه، لإتاحة الفرصة لإزاحة مرشح اليمين العنصري، ومن جهة أخرى فإن “بعض” أركان الأغلبية الرئاسية أجابوا بموقف مماثل؛ لا صوت إضافي لليمين العنصري، ولكن مع إستبعاد اليسار الراديكالي عن هذه المضاربات.

باقي للدورة الثانية أربعة أيام، هل ستتمكن الجبهة الشعبية الجديدة من حشد طاقتها حتى تتمكن من تثبيت وحدة اليسار وتحقيق وحدة المجتمع؟ وهل ستلتزم الأغلبية الرئاسية التي تمثل النيوليبرالية بوعدها بمحاصرة اليمين العنصري؟ حتى الآن أطراف اليسار متماسكة، سيما وأن النتائج سيكون لها تأثير كبير على مستقبل البلاد ومعنى المواطنة.

إستطلاعات الرأي تصب بشكل نسبي لصالح اليمين بتشكيلاته، ولكن كما يقول أحد أصدقائي اليساريين: فإن المستقبل لا يُكتب مسبقا في أي مكان..

شارك المقال
الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب - مواليد عمان/ في 2 أيار 1951. * حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978. * عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982. * حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986. * عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم. * عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني. * منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق". * ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.