عن خِسة تسييس المجاعة والغرق في البيانات والتقارير

أسماء عواد
4 دقيقة وقت القراءة

كل مشاعرنا ودموعنا ومواقفنا الصامتة على جذريتها لا قيمة لها أمام المجاعة في غزة، فالتآمر في هذا السياق كبير جدًا؛ وزيف المجتمع الدولي أكبر، ولم أكن سابقًا أصدق التضامن الغربي مع عدالة القضية الفلسطينية وغيره من “البولشيت”، حيث انحرفت البوصلة عندما أقنعنا أنفسنا، كضحايا هامشيين لحرب الإبادة في وطننا العربي، أننا بحاجة لتضامنهم من أجل التأثير على وعي شعوب دول الشمال العالمي التي لسخرية القدر تنتخب حكومات بات واضحاً أنها أكثر يمينية وأننا أكثر سذاجة! فبدل أن نعلن التعبئة على العدو أعلنا الدموع ورفع شعار البطيخة، واتجه الجميع للتأثير على الغرب فيما الشرق يموت أشلاءً وجوعًا! فعرض مأساتنا “كوول” أكثر من العمل في الطين.

لنتحدث بشكل أكثر دقة، الأمر يتجاوز صور أطفال حديثي الولادة يبدون وكأنهم كائنات فضائية يتلون من الألم في أسرة المستشفيات التعيسة في غزة، فيما هياكلهم العظمية تكاد تفتق الجلد الذي يغطيها. بصراحة أكثر، هذه الصورة يمكن إضافتها لستوريات انستغرام لتعزيز حلقة اللطم الجماعي أمام الرجل الأبيض الذي أقنعونا أنه أكثر علمًا منّا نحن الجهلة والمتخلفون من “دول العالم الأخير”.

حسنًا يا أوغاد، هاكم أرقام التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) وهو مبادرة عالمية تهدف إلى تعزيز تحليل الأمن الغذائي والتغذية وتقسم نتائجها على عدة مراحل (1: الحد الأدنى، 2: مُجهد، 3: أزمة، 4: طوارئ، 5: مجاعة).

لنؤكد أننا أبناء الجنوب، خصوصاً في الوطن العربي مجرد أرقام حسابية لا بشر وإلا لكان التعامل معنا بشكل مختلف، فما معنا أن تصدر IPC  خلال أسبوعين تقريرين عن توقعات وضع انعدام الأمن الغذائي في غزة بأرقام متباينة.

التقرير الأول في 12 حزيران 2024 يتوقع للفترة من (آذار إلى تموز 2024) أن أكثر من 1.1 مليون غزي (50% من سكان القطاع) في المرحلة الأخيرة التي يتجنبون فيها لفظة “مجاعة” أو يرفقونها بكلمة وشيكة أو يستخدمون كلمة كارثة.

pal8a711

 فيما التقرير الثاني في 26 حزيران 2024، يتوقع للفترة من (حزيران إلى أيلول 2024) أن أقل من نصف مليون غزي في المرحلة الأخيرة ذاتها حيث أخرج خلال أسبوعين فقط من حساباته 611,654 غزي من المرحلة الأخيرة. بل ويتحدث عن الوضع الحالي (خلال أيار وحزيران) بالقول إن عدد من هم في المرحلة الأخيرة 342,719 غزي.

pal8a714

هذه أرقام متضاربة ومربكة خصوصًا أن تدفق دخول المساعدات ما زال أقل مما كان عليه الوضع قبل 7 تشرين الأول 2023، أي لأنه يحرز هذه القفزة القادرة على عمل هذا التغيير الكبير، وإن فرح البعض لتناقص من هم في المرحلة الأخيرة فكيف يكون هذا التفاؤل وسط ضبابية الوضع الحقيقي والنزوح المستمر للغزيين الذين يتركزون في بقعة صغيرة تصل كثافة بعض نواحيها من 150 لف – 300 ألف شخص لكل 3كم!

pal8a712

أليست هذه خسة وتواطؤ لكن “تكنوقراطية”؟

الوضع كارثي وصعب علينا تصوره لأننا لم نعايشه، والتفريق بين المجاعة والجوع أمر أساسي، ولمن يعتقد أن معالجة آثار المجاعة والأمراض التي تسببها (دون الموت) يحدث بسهولة، فلنسأل أنفسنا كم يستغرق علاجنا من الأنيميا الحادة مثلاً في بلد مثل الأردن حيث الرعاية الصحية بحمد الله متوفرة سواءً من مرافق صحية وأطباء وأدوية وإمكانية التدخل الطبي العاجل.

لا تألفوا ما يحدث في غزة، لا تتوقفوا عن التفكير بالغزيين ودعم المقـ.اومة والتخندق خلفها؛ فوحدها من ستثأر، وحرب التجويع قديمة ولن يوفرها الرجل الأبيض في أي معارضة لسياساته مستقبلًا.

الوسوم
شارك المقال