الديمقراطية التركية المتأرجحة..إنتخابات على صفيح ساخن

د.موسى العزب لـ د.موسى العزب
10 دقيقة وقت القراءة

ما يقرب من ستين مليون ناخب تركي مدعوين للتصويت بعد ثلاثة أيام، لتسمية نوابهم واختيار رئيسهم، بعد ثلاثة أشهر من الزلزال المزدوج المدمر، وفي سياق سياسي حاد جداً غلب عليه حكم الرجل الواحد.

في 14 أيار الحالي، سينتخب الأتراك مجددا. بعد مرور مئة عام على تأسيس الجمهورية التركية، وسط حالة من الاستقطاب الشديد، والقصف الخشن المتبادل بين الأطراف المتنافسة..

 لم تكن الانتخابات التركية يوما بهذه الأهمية، بعد عشرين عاما من سيطرة كاملة لحزب العدالة والتنمية، تركت بصماتها بعمق على المجتمع التركي، وتجلت بتفاقم الرأسمالية الكمبرادورية، وتزايد نسبة ومساحة الفقر، وتمركز نظام رئاسي فردي خنق الصوت الديمقراطي المختلف، وعمل على تقويض الأسس العلمانية للبلاد.

 في 14 أيار سيحاول اردوغان الحصول على فترة رئاسية ثالثة في انتخابات ساخنة عندما يواجه ثلاثة مرشحين آخرين، أبرزهم كمال كليجدار أوغلو، الأقرب إلى الإتحاد الأوروبي، والمدعوم من تحالف سداسي غير متجانس، يتقدم حتى الآن في استطلاعات الرأي، ولكن كل شيء ممكن في هذه الانتخابات، بما في ذلك اندلاع الفوضى العارمة.

طوال عقدين لم تقترب معارضة الرئيس اردوغان من هزيمته في أي انتخابات تشريعية ورئاسية، وإن كانت قد حققت في الانتخابات البلدية في العام 2019 اختراقا لافتا في خمس مدن كبرى. ويبدو بأن الرئيس يواجه صعوبة منذ عدة أشهر، حتى لو كانت الفجوة مع منافسه كيليجدار تضيق أحيانًا وفقًا لاستطلاعات الرأي. ويفسر الوضع الاقتصادي السيء منذ عام 2021 والتضخم القياسي، وتردي العلاقات مع معظم دول الجوار، ثم صدمة الزلزال المزدوج في شهر شباط والفساد الذي رافق التعامل مع ارتداداته، فضلاً عن سوء إدارة الإغاثة، استياء عند كثير من الفئات الشعبية، كان الرئيس هو نفسه مادته.

 في آخر ظهور لكليجدار كمنافس رئيسي لاردوغان يوم السبت 6 أيار، وأمام مهرجان حشد له في اسطنبول، مع نسبة حضور شبابي لافت يلوح بالأعلام التركية والرايات الزرقاء، استهل خطابه:

 هل أنتم مستعدون للتغيير؟ هل أنتم مستعدون لجلب الديمقراطية إلى تركيا؟ هل أنتم مستعدون لبناء تركيا حيث لن ينام الطفل جائعًا مرة أخرى؟

وأضاف: “الحق والقانون والعدالة سوف تسود.. يجب أن ننتصر من أجل أطفالنا وشبابنا ومستقبلنا، ونعيد السلطة إلى الشعب”!!

بهذه النداءات يحاول المرشح المنافس لأردوغان طمأنه ناخبيه بأن لديه فرصة حقيقية للفوز في الانتخابات القادمة…!!

كليجدار البالغ من العمر 74 عاما، والقادم من أصول متواضعة، ما زال متقدما في بعض استطلاعات الرأي، ويُوصف بأنه نقيض الأردوغانية السائدة؛ لا يمتلك كاريزما كبيرة، ولكنه لا يخلو من الخبث. يتمتع هذا الاقتصادي المخضرم بسمات موظفي الخدمة المدنية الكبار الذين يميلون إلى أوساط الليبرال العلماني السيادي، والذي شكل لفترة طويلة إطار الدولة، قبل أن يزيحهم اردوغان تدريجيا من السلطة منذ عام 2002.

عضو برلماني، ثم رئيس حزب الشعب الجمهوري التاريخي المخضرم، عرف لعامة الناس بنجاحه النسبي في كشف وإدانة العديد من قضايا الفساد التي تشمل المقربين من السلطة. ثم في العام 2017، وهو على أبواب السبعين، ورغم التهديدات بتقديمه إلى القضاء، قاد مسيرة “من أجل العدالة”، تحركت من أنقرة إلى إسطنبول، تندد بعمليات التطهير السياسي القاسية التي نفذتها الحكومة في أعقاب الانقلاب العسكري الفاشل في حزيران 2016. وقد تصاعدت موجة السجال بين الرجلين مؤخرا على خلفية كارثة الزلزال.

طوال الحملة الانتخابية، لعب زعيم حزب الشعب الجمهوري -والذي يُحب أن يعرّف عن نفسه على أنه ديمقراطي اجتماعي- ورقة الوحدة. حيث نجح في إنشاء تحالف الأمة والحفاظ عليه موحدًا. وهو صيغة تحالفية فضفاضة تتشكل من ستة أحزاب، تتراوح اتجاهاتها من أقصى اليمين المتطرف إلى اليسار المعتدل بما فيهم الإسلام السياسي والليبراليين المحافظين.. صيغة غير معتادة ولا يبدو بأنها مقنعة بما يكفي للناخبين، في مواجهة التحالف الشعبي بقيادة اردوغان الذي يجمع الإسلام السياسي والقوميين. فتحالف الأمة هو اتفاق البراغماتية، لا جامع أيدلوجي بين أطرافه، بقدر ما هو رغبة مشتركة للأحزاب التي تكون منها لتوحيد القوائم للانتخابات التشريعية، وإلى حد ما لدعم مرشح رئاسي مشترك.

 أعلن هذا التحالف عن برنامج حكومي يرتكز على مبادى عامة تدعوا إلى نظام برلماني “متوازن”، ومكافحة التضخم لتحسين الوضع الاقتصادي، كما يدعو إلى احترام حقوق الإنسان بما فيها احترام حق المرأة بالتحجب، والعودة إلى معايير “الديمقراطية”، والمصالحة الوطنية.. دون تفاصيل برنامجيه.. ولا شيء يتعلق بالمسألة الكردية التي باتت مؤجلة -رغم وزن الصوت الكردي- نتيجة تشدد “الحزب الصالح” القومي ضد الأكراد سيما وأنه أحد أطراف تحالف الأمة، لدرجة بات البعض يخشى من عودة عدم الاستقرار الحكومي إذا فاز هذا الائتلاف في الانتخابات التشريعية!!

  في الجانب الآخر، وبعد عشرين عامًا في السلطة التي يمسك خيوطها بالكامل، سيحاول رجب طيب أردوغان الحصول على فترة رئاسية جديدة في انتخابات قد تكون مختلفة عما اعتاد عليه. حيث يواجه صعوبات في استطلاعات الرأي، على الرغم من ظهوره بشكل متكرر على التلفزيون العام، إضافة إلى خطاباته المتشددة تجاه المعارضة.

ويتأتى القلق عند أصدقاء اردوغان، من دور سلبي لشخصيات معنوية وازنة انشقت عن حزب العدالة والتنمية في أكثر مناطقه الانتخابية إخلاصا، مثل رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو (المستقبل)، وعلى باباجان وزير الاقتصاد الأسبق وكبير مفاوضي ملف انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي(ديفا)، إضافة إلى مجموعات أخرى منسحبة من العدالة والتنمية تستعد لبناء جبهة سياسية استعدادا للانتخابات.

لبث الروح في حملته الانتخابية، وفي استعراض لافت للقوة، نظم الرئيس التركي تجمعه الحاشد في اسطنبول يوم الأحد 7 أيار، هاجم فيه منافسيه بشدة، وأظهر لأنصاره بأن التنافس قائم على كسب المدينة الأكبر للبلاد، والتي تجمع ما يقرب من خُمس الناخبين الأتراك. 

استهل اردوغان ترشحه للانتخابات عبر زيادة الحد الأدنى للأجور بشكل كبير (شملت 60٪ من الأتراك المعنيين)، إضافة لزيادة رواتب موظفي الخدمة المدنية، وافتتح عدة مشاريع تنموية، واتخذ إجراءات تسمح لمليوني شخص بتأكيد حقهم في التقاعد من الآن فصاعدًا، وفي مناطق الزلزال، افتتح بعض المنازل للمتضررين، وضاعف من الوعود بإعادة الإعمار لآلاف المنازل المدمرة.

يعول اردوغان في الانتخابات الرئاسية على خزان أصواته في هضبة الأناضول في تركيا العميقة، في الريف المحافظ حيث “حرره” حزب العدالة والتنمية من “أوهام” الدولة المدنية القومية، ولوح له “بمنافع” النظام الأوتوقراطي المغلف بالعباءة الدينية.. حيث استطاع الكمبرادور من أصدقاء أردوغان بالتجذر هناك كما على معظم مساحة تركيا..

 هذه الخطوات الجريئة عكست حدا من التشاؤم في صفوف المعارضة بشأن فرصتها في تغيير ساكن القصر الرئاسي في أنقرة. خاصة مع وجود حوالي 90 ٪ من وسائل الإعلام تحت سيطرة الحكومة، بينما يقبع عشرات الصحفيين والكوادر السياسية لحزب الشعوب الديمقراطي المهدد بالحل، في السجون، إضافة إلى المباشرة بمحاكمة رئيس بلدية إسطنبول القيادي في حزب الشعب الجمهوري، وتشكو المعارضة بأن الحملة بعيدة عن أن تكون عادلة، خاصة مع وجود أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون نازح من جراء الزلزال، حيث يتخوف الكثيرون من التلاعب بقوائم الناخبين وإجراء مناقلات في مكان سكناهم بما يخدم مرشحي الحزب الحاكم، في وقت يعطي فيه قانون الانتخاب لتسجيل الناخبين دور إداري مقرر، مما يترك الملايين من الأصوات على المحك، وترجيح أن يؤثر هذا على النتيجة النهائية.

 رغم تقليل أجهزة الدولة من تأثيرات ذلك على القوائم الانتخابية، إلا أن ائتلاف المعارضة يجعل منها قضية رئيسية، ويشكك بنوايا اردوغان ويحذر بأن الرئيس لن يتردد إذا شعر بأن هزيمته أصبحت وشيكة، أن يقوم القضاة ومسؤولي الانتخابات وأجهزة الدولة الذين ظلوا موالين للرئيس، بتغيير دفة الأمور كما حاولوا أن يفعلوا ذلك بشكل علني، من خلال إبطال نتائج انتخابات بلدية اسطنبول لعام 2019. خاصة وأن الانتخابات تجري في ظل حالة الطوارئ.

 تضيف المعارضة: بأن العملية الانتخابية لا تزال تحت السيطرة المباشرة للنظام: فالسلطة هي التي تعين رؤساء اللجان الانتخابية على مستوى المقاطعات والولايات، والقضاة الأحد عشر في المجلس الأعلى للانتخابات، ومعظمهم من اطر الحزب الحاكم.

ويزيد من قلق المعارضة هذا العام، العدد القليل من المراقبين الأجانب، والذي يبلغ عددهم حوالي 350 مراقب سيوزعون على 190.000 مركز اقتراع!!

بينما يطمئن البعض بأن الرئيس التركي الذي “بنى شرعيته على الانتخابات، لن يكون قادرًا على الطعن بالنتيجة إذا كان فوز المعارضة واضحًا”.

تقول المؤشرات بإن ما يجري في تركيا في أيار يتجاوز بكثير المنافسة الانتخابية التقليدية. في عام 2014، سَخِر الأتراك من تصريحات وزير الطاقة، التي أفادت بأن انقطاع التيار الكهربائي الذي أوقف عدّ الأصوات في 35 مدينة في البلاد كان بسبب دخول قطة في محول كهربائي.

 بعد تسع سنوات من هذه الواقعة لا يبدو بأن الناخبين يظهرون نفس روح الدعابة. لأنه إذا خسرت المعارضة بفارق قليل، فسيتم تفسير فشلها بالضرورة من منظور التلاعب والاحتيال من قبل الحزب الحاكم!!

وإن خسر أردوغان بفارق ضئيل فلن يقبل بالنتيجة”…!!

 أجواء تحمل بذور عدم الثقة بين الطرفين، وربما حتى بذور العنف في المستقبل.

من يفوز في هذه الانتخابات، سيقود تركيا منقسمة بشدة بعد أن تعمق الانقسام في المجتمع التركي.. عندها لن ينفع الكلام كثيرا عن مشروعية صندوق الاقتراع.

شارك المقال
  • الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب
  • * مواليد عمان/ في 2 أيار 1951.
  • * حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978.
  • * عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982.
  • * حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986.
  • * عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم.
  • * عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني.
  • * منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق".
  • * ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.