أصدقاء فلسطين يتقدمون، والولايات المتحدة تتخبط أخلاقيا ودبلوماسيا

د.موسى العزب
6 دقيقة وقت القراءة
Lula

على خليفة تصاعد سجال العداء بين تل أبيب وبرازيليا الأسبوع الماضي أسرع وزير الخارجية الأمريكية “بلينكن” إلى لقاء الرئيس البرازيلي “لولا اجتماع سيلفا” في 21 شباط الحالي، في اجتماع مطول في العاصمة البرازيلية، حيث أفصح بلينكن عن موقف الإدارة الأمريكية من الحرب في غزة، وبحث مع الرئيس البرازيلي تصريحاته “الحادة” الأخيرة بشأن “إسرائيل”، بما في ذلك تشبيه الزعيم البرازيلي للهجمات الإسرائيلية في غزة بالمحرقة قائلا: “إنه لا يتفق مع التصريحات الأخيرة للزعيم البرازيلي” وطلب منه الاعتذار، وفقا لأحد المرافقين للوزير الأمريكي.

من جهته ‌قال كبير مستشاري “لولا” للسياسة الخارجية، والذي شارك في الاجتماع، إنها كانت محادثات عصيبة حول وجهتي نظر مختلفتين، أعاد فيها الرئيس “لولا” تذكيره بإدانته لهجوم حماس في 7 أكتوبر، ولكنه كرر أيضا “صدمته ورعبه إزاء المذبحة التي تقع في غزة”.. وأضاف مستشار الرئيس: ” نحن ما زلنا نعتقد أن هناك إبادة جماعية في غزة ولم يوافق المسؤولون الأمريكيون على ذلك”.

أمريكا لا تخفي ضلوعها بحرب الإبادة لتصفية القضية الفلسطينية.

لا غرابة في حدة الموقف الأمريكي، فحرب الإبادة الهمجية التي تمارس على الشعب الفلسطيني الآن هي حرب أمريكية إمبريالية بالدرجة الأولى؛ ولا تتوانى الإدارة الأمريكية عن الاستمرار بتقديم كل أشكال الدعم المطلق إلى “إسرائيل”، حتى ولو استعدت كل دول وشعوب العالم..

وكان الرئيس لولا قد أطلق تصريحاته على هامش القمة 37 للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، حيث قارن فيها بين قتل “إسرائيل” للمدنيين الفلسطينيين في غزة، وقيام هتلر بقتل اليهود وقال: “إن ما يحدث في قطاع غزة مع الشعب الفلسطيني ليس له مثيل في لحظات تاريخية أخرى إلا عندما قرر هتلر قتل اليهود”. وقد أثارت تصريحاته موجة من الغضب العارم عند المسؤولين “الإسرائيليين”، واعتبروه تصعيدا خطيرا، حيث وصفها وزير خارجة العدو، بأنها “مخزية وفاضحة”. وهدد باتخاذ إجراءات دبلوماسية. نتنياهو من جانبه كرر هذه المشاعر، واعتبر بأن تصريحات لولا؛ مقارنة “إسرائيل” بالمحرقة النازية هي تجاوز للخطوط الحمر، ولحق به عدد من المسؤولين “الإسرائيليين”، واعتبروا التصريحات البرازيلية تشويها للمحرقة، وشكلا من معاداة السامية.

تصاعدت الأمور، فردت البرازيل باستدعاء سفيرها لدى تل أبيب، ثم قامت بطرد سفير “إسرائيل” في برازيليا.
هذا الموقف البرازيلي لم يكن الأول من نوعه على هذا الصعيد، ففي تشرين الثاني الماضي رحب الرئيس لولا شخصيا برحلة جوية على متنها حوالي 30 جريحا تمكنوا من الخروج من غزة عبر مصر بمساعدة الحكومة البرازيلية، حيث أدان انعكاسات الحرب على المدنيين، قائلاً: “لم أر قط مثل هذا العنف الوحشي وغير الإنساني ضد الناس الأبرياء”.

البرازيل تصمد أمام الضغوط، وتأكد نصرتها لنضال الشعب الفلسطيني

وتأتي أهمية مواقف الرئيس البرازيلي الحالية عند مقارنتها بالماضي القريب، عندما قام الرئيس البرازيلي السابق بولسنارو بزيارة إلى “إسرائيل”، عبر فيها عن “عمق علاقه الود والصداقة” مع نتنياهو، وصرح قائلا: “أنا وصديقي بنيامين نعتزم جمع شعوبنا وجيوشنا وطلابنا وعلمائنا.. والعمل معا على صعيد السياحة والامن والدفاع” وبدت البرازيل عندها تقترب من نقل سفارتها من تل ابيب الى القدس بعد ان افتتحت مكتبا تجاريا فيها.
من هنا تنبع أهمية التطور الكبير في موقف البرازيل، والفارق بين بموقف اليميني بولسينارو الموالي لأمريكا وإسرائيل، وموقف اليساري العمالي “لولا داسيلفا” الذي عاد للرئاسة وتخطت نهجا تقدميا جسورا خاصة في نصف الكرة الجنوبي، وضمن مجموعة بريكس، ويشجع حكام العالم ليتخذوا مواقف داعمة للشعب الفلسطيني.

استمرار المحاولات الأمريكية لإجهاض الموقف البرازيلي

وفي حين رحب الجانب الفلسطيني بتصريحات لولا وأعربوا عن تقديرهم لموقف الرئيس البرازيلي.
‌فإن الولايات المتحدة قد عارضت بشكل سافر مواقف الجميع بما فيهم حلفائها في الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بشأن الحرب على غزة. وفي هذا السياق يذكر بأنها استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار قدمته البرازيل إلى مجلس الأمن يدعو إلى السماح بوصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين في غزة، فضلاً عن إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين.. بذريعة أن مشروع القرار البرازيلي “لم يذكر حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”.

ومن الواضح الآن بأن لقاء مسؤولي البلدين في برازيليا، لم يخفف من حدة المواجهة بينهما في لاهاي، حيث أصرت الولايات المتحدة بعدم مطالبة الجيش الإسرائيلي بالانسحاب الفوري من غزة، بينما رافعت البرازيل أمام المحكمة بقوة عكس الطلب الأمريكي، ودعمت مبكرا قضية جنوب أفريقيا أمام المحكمة.

صمود المقاومة في غزة والمنطقة يعمق من أزمة الإمبريالية.

الحرب المستمرة في غزة منذ حوالي 140 يوما، والاحتجاجات تتوسع على مستوى العالم، لتتحول إلى عنوان أساسي للصراع الدولي تعمق من أزمة الإمبريالية، وتثير مشاكل سياسية ودبلوماسية متدحرجة للولايات المتحدة.، خاصة مع صمود المقاومة وحاضنتها الشعبية، واستمرار وقائع أهوال العدوان الوحشي، وارتفاع عدد الضحايا من شهداء وجرحى ومهجرين إلى مئات الآلاف، وانتشار الأمراض والمجاعة بين المدنيين، كل هذا يلقي بظلاله السلبية على مكانة الدبلوماسية الأمريكية ويدفع المزيد من الدول إلى التنديد علنا بالموقف الأمريكي، والعدوان “الإسرائيلي”، والمطالبة بإيقافه.
‌وهكذا فقد تحولت حرب الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني إلى نقطة احتكاك وتوتر شديد في تعاملات إدارة “بايدن” مع واحدة من أكثر الدول نفوذاً في أمريكا اللاتينية، (البرازيل)، والتي تعتبر بحق رافعة وقاطرة لأمريكا اللاتينية، وصوتها الأكثر استماعا. الأمر الذي سيزيد من دائرة الدول التي توقف دعمها للكيان الصهيوني، وتطالب بوقف العدوان.

شارك المقال
متابعة

الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب
- مواليد عمان/ في 2 أيار 1951.
* حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978.
* عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982.
* حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986.
* عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم.
* عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني.
* منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق".
* ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.

اكتشاف المزيد من نداء الوطن

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading