مقال دوغين حول هجوم خاركوف: «وبدأت…!»

نداء الوطن
12 دقيقة وقت القراءة
الكسندر دوغين

في الأيام القليلة الماضية، حدثت تغييرات كبيرة في ميزان القوى في أوكرانيا. هذا يحتاج إلى النظر في مجملها.

كانت هجمات كييف المضادة بشكل عام فاشلة في منطقة خيرسون، لكنها، للأسف، نجحت في منطقة خاركوف. إن الوضع في منطقة خاركوف والتراجع القسري لقوات التحالف هو نقطة التحول. إذا وضعنا جانباً الآثار النفسية والتجربة الطبيعية للوطنيين، فيجب ملاحظة أننا وصلنا إلى نقطة اللاعودة في تاريخ العملية العسكرية الخاصة بأكمله.

يوصي الجميع الآن باتخاذ إجراءات غير عادية لتغيير المد، وبعض هذه المقترحات منطقية تماماً. ونحن لا ندعي بأي شكلٍ من الأشكال أن ما سنقوله من أفكار هنا، يعود إلينا حصرياً، لكننا سنحاول فقط تلخيص أهم النقاط والتوصيات الأساسية، ووضعها في السياق الجيوسياسي العالمي.

الحرب العالمية الثالثة

نحن على شفا حرب عالمية ثالثة يدفعنا إليها الغرب بهوسٍ شديد. وهذا لم يعد تخوفاً أو توقعاً، هذه حقيقة. روسيا في حالة حرب مع الغرب الجماعي، مع الناتو وحلفائهم (وإن لم يكن مع الجميع – تركيا واليونان لديهما موقف خاص بهما، وعدد من الدول الأوروبية، في المقام الأول فرنسا وإيطاليا-وليس فقط فرنسا وإيطاليا- لا ترغب في المشاركة بشكل فاعلٍ في الحرب مع روسيا). ومع ذلك فإن خطر نشوب حرب عالمية ثالثة يقترب.

ما إذا كان الأمر يتعلق باستخدام الأسلحة النووية، هو سؤال مفتوح. لكن احتمال حدوث آرمجدون [حرب نهاية العالم] نووي يتزايد كل يوم. إنه أمر واضح تماماً، والعديد من القادة العسكريين الأمريكيين (مثل القائد السابق للقوات المسلحة الأمريكية في أوروبا، بن هودجز) يعلنون ذلك صراحة، لن يكون الغرب راضياً حتى مع انسحابنا الكامل من أراضي أوكرانيا السابقة. سوف يقتلوننا على أرضنا، ويصرون على “الاستسلام غير المشروط” (ينس ستولتنبرغ)، “إنهاء الإمبريالية الروسية” (وفقاً لتعبير بن هودجز)، وتقطيع أوصال روسيا.

في عام 1991، كان الغرب راضياً عن انهيار الاتحاد السوفيتي واستسلامنا الأيديولوجي، في المقام الأول من خلال تبني الأيديولوجية الليبرالية الغربية والنظام السياسي والاقتصاد تحت قيادة القيّمين الغربيين. اليوم، بالنسبة للغرب، الخط الأحمر هو وجود روسيا الأكثر سيادة – حتى داخل حدود الاتحاد الروسي.

الهجوم المضاد للقوات المسلحة الأوكرانية في منطقة خاركوف هو ضربة مباشرة من الغرب ضد روسيا. يعلم الجميع أن هذا الهجوم تم تنظيمه وإعداده وتجهيزه من قبل القيادة العسكرية للولايات المتحدة والناتو، وتم تحت إشرافهما المباشر. ولم يتم ذلك فقط من خلال استخدام المعدات العسكرية للناتو، ولكن أيضاً عبر المشاركة المباشرة لمخابرات الفضاء العسكرية الغربية والمرتزقة والمدربين. في نظر الغرب، هذه بداية “نهايتنا”. نظراً لأننا تراخينا في الدفاع عن الأراضي الواقعة تحت سيطرتنا في منطقة خاركوف، فيمكننا أن نهزم أكثر. هذا ليس نجاحاً صغيراً للهجوم المضاد في كييف، إنه أول نجاح ملموس لقوات Drang nach Osten لقوات الناتو. [المترجم: شعار Drang nach Osten هو من الأصل الألماني، ويعني الانتشار نحو الشرق، وهو شعار استخدم في ألمانيا النازية وكذلك في القرن التاسع عشر في كل من ألمانيا وبولندا للتعبير عن الرغبة في التوسع والسيطرة باتجاه الأراضي السلافية في الشرق].

بالطبع، يمكن للمرء أن يحاول أن ينسب ذلك إلى “الصعوبات الفنية” المؤقتة وتأجيل التحليل الأساسي للوضع إلى وقت لاحق. لكن هذا لن يؤدي إلا إلى تأخير تحقيق الأمر الواقع، وبالتالي، لن يؤدي إلا إلى إضعاف أنفسنا وإحباطنا.

لذلك، من الجدير الاعتراف ببرود: لقد أعلن الغرب الحرب علينا وهو يخوضها بالفعل. لم نختر هذه الحرب، ولم نكن نريدها. في عام 1941، لم نكن نريد حرباً مع ألمانيا النازية ورفضنا الإيمان بها حتى النهاية. لكن في الوضع الحالي، عندما تُشنّ ضدنا بحكم الأمر الواقع، فهذا ليس ذا أهمية حاسمة. الآن من المهم فقط الفوز بها، للدفاع عن حق روسيا في الوجود.

نهاية العملية العسكرية الخاصة

تم الانتهاء من العملية العسكرية الخاصة كعملية محدودة لتحرير دونباس وعدد من أراضي نوفوروسيا. تطورت تدريجياً إلى حرب شاملة مع الغرب، حيث، في الواقع، يلعب نظام كييف الإرهابي النازي نفسه دور الأداة فقط. محاولة محاصرة ذلك النظام، وتحرير عدد من مناطق نوفوروسيا التي يسيطر عليها النازيون الأوكرانيون، مع الحفاظ على توازن القوى الجيوسياسي الحالي في العالم دون تغيير، بوصف هذه الإجراءات عملية تكنيكية، هو أمرٌ لم ينجح. والتظاهر بأننا نواصل ببساطة العملية العسكرية الخاصة – في مكان ما على هامش الاهتمام العام – هو علاوة على ذلك، وببساطة، أمرٌ لا طائل من ورائه.

ضد إرادتنا، نحن الآن في حالة حرب، وهذا ينطبق على كل مواطن روسي: كل واحد منا مهدد بسلاح العدو، بإرهابيه وقناصيه ومجموعاته الاستطلاعية والتخريبية، بما في ذلك خلف الحدود.

في الوقت نفسه، فإن الوضع، وبغض النظر عن حجم الأمنيات، غير قابل للعودة إلى الظروف الأولية لما قبل 24 فبراير 2022. ما حدث لا رجوع فيه، ولا ينبغي حتى أن يخاف المرء من احتمال تقديم تنازلات أو الدخول في صفقات من جانبنا؛ فالعدو لن يقبل إلا استسلامنا الكامل، واستعبادنا، وتقطيع أوصالنا، واحتلالنا. لذلك ليس لدينا خيار.

نهاية العملية العسكرية الخاصة

 تعني الحاجة إلى تحولات عميقة للنظام السياسي والاجتماعي بأكمله لروسيا الحديثة – نقل البلاد إلى قاعدة عسكرية – في السياسة والاقتصاد والثقافة ومجال المعلومات.

يمكن أن تظل العملية العسكرية الخاصة مهمةً، لكن ليس بوصفها المحتوى الوحيد للحياة العامة الروسية: الحرب مع الغرب هي ما ينبغي أن يخضع له كل شيء.

 الجبهة الأيديولوجية

وجدت روسيا نفسها في حالة حرب أيديولوجية. القيم التي ينادي بها الغرب المعولم من طراز: (LGBT، وتقنين الانحرافات، والمخدرات، ودمج الإنسان والآلة، والاختلاط التام أثناء الهجرة غير المنضبطة، وما إلى ذلك)، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهيمنته العسكرية والسياسية ونظامه أحادي القطب. الليبرالية الغربية، والهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية العالمية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، هما شيء واحد. إن القتال مع الغرب وفي الوقت نفسه قبول قيمه (وإن كان ذلك جزئياً)، التي باسمها يشن الحرب ضدنا، حرب الإبادة، هو ببساطة أمر سخيف.

إن أيديولوجيتنا الكاملة لن تكون “مفيدة” لنا اليوم فحسب. إذا لم نمتلكها، فسوف نخسر. سيستمر الغرب في مهاجمتنا من الخارج، بأيدي نازيين أوكرانيين مسلحين ومدربين، ومن الداخل – بأيدي الطابور الخامس، الذي لا يزال ليبرالياً، يفسد بمهارةٍ، وعيَ جيل الشباب ويفسد روحه. دون أيديولوجيتنا الخاصة، والتي ستحدد بوضوح من هو الصديق ومن هو العدو، سنجد أنفسنا في مثل هذا الموقف، شبه عاجزين.

يجب تحديد الأيديولوجيا بعبارات عامة على الفور، ويجب أن يكون جوهرها هو الرفض الكامل والمباشر لإيديولوجية الغرب والعولمة والليبرالية الشمولية، بكل أنواعها وأدواتها – بما في ذلك النازية الجديدة والعنصرية والتطرف.

التعبئة

التعبئة أمر لا مفر منه. الحرب تطال الجميع والجميع. ومع ذلك، فإن التعبئة لا تعني إرسال المجندين الإجباري إلى الجبهة. يمكن تجنب ذلك – على سبيل المثال، من خلال تشكيل حركة تطوعية كاملة – مع الفوائد الضرورية ودعم الدولة.

يجب أن نراهن على قدامى المحاربين، على دعم خاص لجنود نوفوروسيا. روسيا لديها القليل، لكن هناك مؤيدين في الخارج. يجب ألا نتردد في تشكيل كتائب دولية مناهضة للنازية ومناهضة للعولمة من أناس شرفاء من دول الشرق والغرب.

لكن الشيء الرئيسي هو أنه لا ينبغي الاستهانة بالروس. نحن شعب بطل؛ بأثمانٍ باهظة نعم، ولكن في النهاية انتصرنا أكثر من مرة في تاريخنا المجيد على أعداء رهيبين. سوف نفوز هذه المرة أيضاً، ولكن فقط حين تتحول الحرب مع الغرب إلى حرب شعبية. إنها الحروب الشعبية، هي التي ننتصر فيها – حروب تستيقظ أمة عملاقة للمشاركة فيها.

التعبئة تنطوي على تغيير كامل في سياسة المعلومات. يجب إلغاء معايير زمن السلم (في الواقع، النسخ الأعمى لبرامج واستراتيجيات الترفيه الغربية التي لا يكتفي بها سوى المجتمع الفاسد). يجب أن يصبح التلفزيون ووسائل الإعلام بشكل عام أدوات وطنية للتعبئة في زمن الحرب. جميع الحفلات الموسيقية في المقدمة، والوجود في المؤخرة هو أيضاً في المقدمة. لقد بدأ هذا بالفعل تدريجياً، لكنه حتى الآن لا يؤثر إلا على جزء صغير من القنوات. ويجب أن يكون في كل مكان.

الثقافة، والإعلام، والتعليم، والتنوير، والسياسة، والمجال الاجتماعي – يجب أن يعمل كل شيء بالإجماع من أجل الحرب، أي من أجل النصر.

الاقتصاد

يمكن لأي دولة ذات سيادة إصدار العملة الوطنية بالقدر الذي تحتاجه. إذا كانت حقاً ذات سيادة. الحرب مع الغرب تجعل الاستمرار في الألعاب الاقتصادية وفقاً لقواعده، أمراً بلا معنى. لا يمكن للاقتصاد في زمن الحرب إلا أن يكون ذا سيادة. للفوز، يجب أن تنفق الكثير من المال على الضرورات. من الضروري فقط التأكد من أن عمليات الإصدار تتركز في دائرة خاصة مصممة للأغراض الاستراتيجية. يجب أن يتم التعامل مع الفساد في مثل هذه الظروف، كجريمة حرب.

الحرب والراحة شيئان لا يتوافقان. الراحة كغاية، ينبغي استبعادها من دليل نمط الحياة. فقط الأشخاص المستعدون للصعوبات هم القادرون على كسب حروب كاملة حقيقية.

في مثل هذه الحالات، تظهر دائماً جمهرة جديدة من الاقتصاديين، هدفها إنقاذ الدولة، وهذه أهميتها هي الأعلى، وثانياً تأتي العقائد والمدارس والأساليب والنُهج.

حلفاؤنا

يلعب الحلفاء دوراً حيوياً في أي حرب. اليوم، ليس لدى روسيا الكثير منهم، لكنهم موجودون. بادئ ذي بدء، نحن نتحدث عن تلك الدول التي ترفض النظام الغربي الليبرالي الأحادي القطب. يتعلق الأمر بمؤيدي التعددية القطبية – مثل الصين وإيران وكوريا الشمالية وصربيا وسوريا وجمهورية إفريقيا الوسطى ومالي، وكذلك إلى حد ما الهند وتركيا وعدد من الدول الإسلامية والأفريقية وأمريكا اللاتينية (في المقام الأول كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا).

في العمل معهم، من الضروري حشد جميع الموارد المتاحة، ليس فقط الدبلوماسية المهنية، ولكن الدبلوماسية الشعبية.

ولهذا، مرة أخرى، هناك حاجة إلى أيديولوجية. يجب أن نقنع الحلفاء بأننا قررنا الانفصال عن العولمة والهيمنة الغربية بشكل لا رجعة فيه ومستعدون للمضي قدماً في بناء عالم متعدد الأقطاب. هنا يجب أن نكون متسقين وحازمين. انتهى وقت الألوان النصفية والتنازلات. تقسم حرب الغرب ضد روسيا البشرية على جانبي المتراس.

العامل الروحي

النقطة المركزية في المواجهة العالمية التي بدأت، هي الجانب الروحي والديني. وجدت روسيا نفسها في حالة حرب مع حضارة معادية للدين تقاوم الله وتطيح بأسس القيم الروحية والأخلاقية – الله، والكنيسة، والأسرة، والجنس، والإنسان. مع كل الاختلافات بين الأرثوذكسية والإسلام التقليدي واليهودية والهندوسية والبوذية، فإن جميع الأديان والثقافات المبنية عليها، تعترف بالحقيقة الإلهية والكرامة الروحية والأخلاقية العالية للشخص وتكريم التقاليد والمؤسسات – الدولة والأسرة والمجتمع. لقد ألغى الغرب الحديث كل هذا، واستبدله بالواقع الافتراضي، والفردية المتطرفة، وتدمير الجنس، والمراقبة العالمية، و”ثقافة الإلغاء” الشمولية، ومجتمع ما بعد الحقيقة.

نحن نتعامل مع ما يسميه الشيوخ الأرثوذكس “حضارة المسيح الدجال”. لذلك، فإن دور روسيا هو توحيد المؤمنين بمختلف الأديان في هذه المعركة الحاسمة.

لا تنتظر حتى يدمر عدو العالم منزلك ويقتل زوجك أو ابنك أو ابنتك… في مرحلة ما سيكون الأوان قد فات لا سمح الله.

إن هجوم العدو في منطقة خاركوف هو بالضبط ذلك الشيء بالذات. بداية حرب شاملة من الغرب ضدنا.

شارك المقال

اكتشاف المزيد من نداء الوطن

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading