لماذا يجب إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وليس تشييد حركة وطنية جديدة مستقلة تماما؟

د.موسى العزب
6 دقيقة وقت القراءة

هناك من يطرح جدوى إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير بعد أن شلت تماما منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي (منذ عشية اتفاق أوسلو الموقع عام 1993)، ولكون اتفاق أوسلو استنفذ وظيفته بعد نشوء سلطة حكم ذاتي على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.

بل هناك من يرى أن منظمة التحرير قد أعلنت فشلها منذ أن تبنت البرنامج المرحلي عام 1974.. ومن هنا تطرح فكرة مشروع يدعو إلى بناء حركة وطنية جديدة تتخطى المرحلة التي قادتها منظمة التحرير، وأن تركز على المهام المطروحة فلسطينيا في ضوء المتغيرات التي شهدها الوضع الفلسطيني، والتحولات العربية والإقليمية والدولية المتسارعة، وتحديدا خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

نظریًا، قد لا يبدو الخلاف واسعا بين الدعوة إلى إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، والدعوة إلى حركة وطنية فلسطينية جديدة، كما حدث في عقد الستينيات من القرن الماضي بعد هزيمة واندثار الحركة الوطنية في العام 1948، ما دام المطلوب هو تأدية الوظيفة الوطنية ذاتها. لكن في واقع الحال هناك تباين مهم في مسوغات وتداعيات كل من المشروعين؛ فكرة تأسيس حركة وطنية جديدة، بمعنى الكيان التمثيلي، تثير مخاوف وشكوك قوى سياسية فلسطينية عدة (وذات وزن في الحقل السياسي)، نظرا لواقع الانقسام الجغرافي والسياسي والمؤسساتي القائم.

كما أن مواصلة كل من “فتح” و”حماس” الإعلان عن التزامهما بإنهاء الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير، يبقي بصيصا من أمل (ولو أنه يزداد ضعفا مع مرور الزمن مع بقاء الانقسام) في إمكانية توصلهما، في المستقبل، إلى اتفاق على مباشرة عملية بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وطنية، كما نص على ذلك اتفاق القاهرة واتفاقيات أخرى وقع عليها الطرفان.

لكن وفرة الشكوك بين طرفي الصراع الرئيسيين وتنامي مصالح شرائح داخل كل منهما، ومراكز قوی دولية وإقليمية خارجهما في إبقاء الانقسام، يجعل من أية دعوة لبناء حركة وطنية جديدة ممثلة في كيان مؤسساتي تبدو وأنها تستهدف النيل من التراث الكفاحي لمنظمة التحرير وفصائلها، وهو أمر يغذي الانقسام القائم ويأجج من أسباب الاستقطاب السياسي، وهو ما سيدفع نحو المزيد من الارتهان لقوى خارجية لها أجنداتها الخاصة.

لذا، ليس من الحكمة القفز عن هدف إعادة بناء منظمة التحرير وإصلاح ما أصابها من جمود وعطب وتهميش وتقادم، وتطويرها بنية وتمثيلا وبرنامجا وأساليب عمل، وذلك لاعتبارات عدة، من أبرزها:

1. يتوفر إجماع وطني معلن من كافة الفصائل، حتى لو كان نظري (بما فيها من حركتي “حماس” و”فتح”) على هدف إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتعددية وتحررية، بحيث تكون مؤسساتها وطنية جامعة على صعيد التمثيل السياسي والتمثيل الإقليمي رغم أن ذلك يبقى، حتى الآن، إجماعا لفظيا دون أن تترتب عليه أية خطوات عملية مجدولة زمنيا، ودون الاتفاق على آليات لبدء تنفيذه.

2. تملك منظمة التحرير رصيدا نضاليا وكفاحيا مهما، إرتكز على نضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني لعقود طويلة، وليس المطلوب تجاهل أو طمس هذا الرصيد، بل المطلوب هو البناء عليه والتعريف به كجزء من تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر، وبخاصة أن نسبة عالية من الشباب الفلسطيني قد لا تعرف الكثير عن هذا التاريخ. إن هذا الرصيد الكفاحي يبقي الحركة الوطنية القائمة والنظام السياسي الذي أقامته مستهدفين من قبل “إسرائيل” ومن يدعمها، ما يعزز من الأخطار التي تستهدف الجميع، بالرغم من كل الانحرافات والتنازلات التي قدمت خلال الفترة الماضية.

3. تتمتع منظمة التحرير باعتراف عربي ودولي واسع بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وسيكون من الصعب جدا – في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي جرت خلال العقود الثلاثة الماضية- نیل اعتراف مماثل لحركة وطنية جديدة معزولة عن المنظمة وإرثها. هذا لا يعني أنه سيكون من السهل إعادة تنشيط الدور التمثيلي الإقليمي والدولي للمنظمة بصيغتها الجديدة وتوليد أساليب عمل وعلاقات جديدة تنطلق من مفاهیم حركة تحرر وطني، أي من الإقرار بالحالة الاستعمارية الاحتلالية التي يعاني الشعب الفلسطيني من تداعياتها، وبالتأكيد ليس من المفهوم التبعي التحريفي للسلطة القائمة في الضفة أو في القطاع، والمطلوب إنهائه.

4. أدت المنظمة وفصائلها دورا محوريا في بناء وتدعيم الاتحادات القطاعية والنقابات العمالية والمهنية، وساهمت هذه الاتحادات والنقابات، في مرحلة حاسمة من بناء الحركة الوطنية بعد النكبة، بفعالية في توفير الحاضنة الاجتماعية العريضة للمنظمة، مما مكنها من تعبئة وإشراك الفئات الشعبية والكادحة من الشعب الفلسطيني في النضال الوطني.

كما ساهمت في تشييد صلات تنظيمية ونضالية ومفاهيمية بين التجمعات الفلسطينية المختلفة متخطية الحدود والحواجز الجغرافية بينها. ومع شل مؤسسات منظمة التحرير، تحولت هذه الاتحادات إلى هياكل مكتبية لا قواعد منظمة وفاعلة لها، وغير مؤهلة لتمثيل قطاعاتها الجماهيرية أو المهنية، كما فقدت وظيفتها كمؤسسات وطنية جامعة بسبب هذا الشلل وبسبب الانقسام القائم.

من هنا، أهمية إعادة بناء هذه الاتحادات والنقابات على أسس قطاعية ومهنية وديمقراطية تمكنها من الجمع بين المهام الوطنية التحررية والمهام القطاعية والنقابية (المهام الاجتماعية) في تمثيل مصالح أعضائها وتطلعاتهم، وهي بالإضافة إلى الأحزاب السياسية، التي لم تستنفد دورها بعد رغم تراجعه، أحد أهم وسائل التمكين الجماعي وأدوات مجابهة الكيان الاستعماري، لاسيما في ظل عدم بروز أحزاب أو حركات جديدة فاعلة وقادرة، حتى الآن، على أن تحل محل الأحزاب القائمة التي لا تزال فاعلة بالرغم من تراجعها الملموس.

وكل هذا لا يمنع من قيام صيغ توحيدية أو تنسيقية، تحت سقف “المنظمة”، تقوم على أساس برنامج مقاوم، يغادر بالكامل مسار أوسلو التصفوي وكل تبعاته السياسية والتنظيمية والأمنية، ويشكل البديل الكفاحي للحالة القائمة.

شارك المقال
الدكتور موسى محمد عبد السلام العزب - مواليد عمان/ في 2 أيار 1951. * حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب من جامعة وهران/ الجزائر في العام 1978. * عمل في المستشفيات والمراكز الطبية للهلال الأحمر الفلسطيني في سورية ولبنان، حتى العام 1982. * حاصل على شهادة التخصص العليا في أمراض النساء والتوليد من الجامعات الفرنسية عام 1986. * عمل طبيباً إختصاصياً لأمراض النساء والتوليد في مستشفى الهلال الأحمر الأردني لمدة 25 عاما، وعيادة خاصة حتى اليوم. * عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني. * منسق الحملة الوطنية، "صحتنا حق". * ناشط إجتماعي ونقابي وسياسي وإعلامي، لمدة تمتد لأربعة عقود.