حريّات في اللّالا لاند وحقوق أخرى

إبراهيم قاسم لـ إبراهيم قاسم
4 دقيقة وقت القراءة

اليوم ، يكتشف مناضل “الديمقراطية في خدمة الديمقراطية” سوء خياره وهشاشة اصطفافه.

على مدار عقود من التمويل وضخ سموم الدولار في الوطن العربي، عمل الغربي على تثبيط النشاط السياسي في البلاد العربي وتقسيمه وتقزيمه لخطاب حقوقي فئوي غير منتظم، عابث في مسارات النضال التحرري العربي التوّاق للحرية الخادمة للسيادة.

عمل هذا التمويل على مستويين، الأول هو دعم الدولة باتجاه جعلها تتخلى عن مصادر سيادتها؛ الغذاء والماء والطاقة والأمن، والمستوى الثاني يتخلل في مجالات النشاط السياسي والاجتماعي باتجاه صناعة أطر ومساحات سياسية غير منتجة، فضفاضة، عوّامة وسطحية تتململ حول العُقد ولا تحُلها، بل هي سيّدة في وصف هذه العُقد بالـ “تحديات” وجمع الشباب في الفنادق مع بدل مالي يُصرف يومياً لجموع المشاركين لحل هذه العُقد، و أحدهم يأتي لهذه الفنادق لتجاوز أزمته المالية وسداد قروضه، أما عجز الميزانية العام في الدولة فهذه قضايا اقتصادية كبرى سيحُلها صندوق النقد الدولي بالتأكيد!

استعمار حداثيّ

لا تكتمل غاية أحد هذين المستويين من التمويل إلا باستمرار الأخرى ، فالتمويل الرسمي للدولة هو في حقيقته وسيلة لخلق دولة منسحبة من واجباتها غير قادرة على عيل نفسها، خالقة مساحات و فراغات لرأس مال استغلالي بطبعه ولمنظمات تظهر وكأنها مخلّصة ولكن مهامها في الحقيقة هي التمويه المستمر للنشاط السياسي وحرف هذا النشاط عن مسارات إنتاج الفكر والمعرفة والحل.

تبني هذه المنظمات آراء غريبة عن إرث وثقافة وموارد الوطن، لا بل تُسقط مفاهيمها و معاييرها -الخادمة للنمط الاستعماري بالضرورة- على الناس، وكأن هذه المعايير هي المُطلق وثقافتنا وتراثنا المبني على مدار آلاف السنين لم يُنتج قيَم وفكر ومعرفة! ولكن وفي مثل هكذا ظرف فالدولار دافئ، والجيوب خاوية، بعد عمليات إفقار ممنهجة لصناعة دول هشة وشعوب استهلاكية.

حضر الاستعمار بشكله البامبي في مواثيق حقوق الانسان، فللإنسان حقٌ بالسفر ولكن لدول الغرب حق بالتأشيرة، وللإنسان حقٌ بالعمل ولكن لصاحب العمل حقٌ باستغلال العامل، وللإنسان حقٌ في التعليم والصحة، ولكن لرأس المال حقٌ ببناء المستشفيات والمدارس والجامعات لاستغلال هذه الحقوق.

إن تقسيم هذه الحقوق بهذه الصورة بالقدر الذي يظهر فيه من الحداثة والعدل، فهو بالضرورة يقسّم المهام النضالية لحركات التحرر ويقطع عليها طريقها بتقسيم عاموديّ للطبقات، فالحقيقة مثلاً أن لا حقوق للمرأة إلا في سياق نضالات الحركة النسوية في إطار الحراك السياسي والاجتماعي العام غير المعزول عن الواقع الطبقي للمرأة، ولكن هذه المنظمات عزلت واقع المرأة الاجتماعي والطبقي عن حقوقها في المجتمع.

الغربي له حقوق، الشرقي له حقوق مادام خاضع، وإذا نهض فليقتل

وهكذا وعندما ظهر الصراع الوجودي مع الاحتلال الاسرائيلي بهذا الوضوح في حرب غزة، ولأول مرة لأبناء جيلنا، علينا أن ندرك مخاطر هؤلاء، الذين تعرّوا أمامنا لمواقفهم المهزومة، التي تقول في مضمونها: الغربي له حقوق، الشرقي له حقوق مادام خاضع، وإذا نهض فليقتل.

وفي كل الأحوال فما تم بثه من منظمات التمويل الأجنبي في العقل العربي من معاني ومصطلحات هشة لن يدوم إلا باستمرار تدفق المال المغذي لهذه السِلع، والمال في العمل السياسي هو ضابطٌ له وخانق لأحلام الناس بالحرية والاستقلال، والديمقراطية الغربية المُسقطة لنا في الشرق هي ديموقراطية في خدمة الغرب، وعلينا أن نبدأ التفكير بنموذجنا المستند لتراثنا الحضاري، الساند للشعوب، الخادم لمصالحها، مشروعٌ تحرريٌ قادرٌ على فهم تناقضاته و صراعاته، لا مشروعٌ تابعاً دون طموحات، وهذا المشروع تحمله قوى التحرر التقدمية، لا منظمات الجيتو والحريات الفردانية.

شارك المقال
عضو دائرة العمل الشبابي و الطلابي لحزب الوحدة الشعبية